سر الجمال: إشكالية اللذة الغامضة

سر الجمال: إشكالية اللذة الغامضة

من المعلوم أن ميزان الجمال عند المرأة  غير ثابت يتغير الزمن ويتباين بتباين الثقافات والبيئات والأعمال، ويختلف من فرد لآخر، وهذا الأمر يؤكد تغيير مدلول الجمال من عصر إلي عصر، ومن جيل إلي جيل، من هنا يمكن القول بأنه ليست هناك معايير ثابتة عند البشر لإدراك الجمال ووصفه على الرغم مما بذله علماء الجمال وفلاسفة الفني والأدباء والنقاد في سبيل وضع معايير ثابتة وخصائص واضحة للجمال تكتسب وتعلم للدارسين ومحبي الجمال في كل ميدان من ميادين الفن، وذلك انطلاقا من تجاربهم وخبراتهم الطويلة في عالم الفنون الأمر الذي أكسبهم أذواقا حضارية رفيعة ودراية عميقة بأسرار الجمال ومكنوناته، والنتيجة هي أنه لا معايير نهائية للجمال ولا مسلمات مؤكدة.

من هذا المنظور يبقي تحديد ما هية الجمال أمرا نسبيا ومبهما يستعصي عن القياس والتحليل والتعليل، فقد يستطيع المدرب منا أن يضع أيدينا على بعض مواطن الجمال في الشيء دون أن يلم بها إلماما تاما، وما لم يقدر على تبيانه والإفصاح عنه يبقي سرا مكنونا، ولعل الأمر سيظل كذلك أبد الدهر ذلك” لأن الجمال معنى من المعاني القدسية التي لا تزال محجبة عن أبصارنا الكلية، مصونة عن التدهور في أبحاثنا الوضعية، رفيعة عن إدراكنا المحدود ”  

والمستفاد مما قلناه سابقا أن الدارس للجمال يدرك جوانب منه، قد تكثر وقد تقل، ولكنه لا يأتي على الكل، وهذا معناه أن في الجمال أسرارا تستعصي على قوم فلا يدركونها أبدا، ولو طالت بهم الأعمار أحقابا ودهورا بدل الأيام والسنين  

ويتضح من هذا الطرح أن الجمال من المثُل العليا، فإن تعرفنا عليها لا يكون إلا شعوريا، ذلك لأن المثُل العليا تصورية بعيدة عن متناول أيدينا لكن يمكن أن نشرئب إليها بأفكارنا وأحاسيسنا. وبتعبير آخر، فإن للجمال قوة سحرية نحسها بشعورنا أكثر مما نستبين سماتها بالأبصار، أو من نتعرف وقعها بالأسماع  

وقد يلتقي هذا المعني في بعض جوانبه مع ما أشار الحديث المروي عن الرسول (صلعم) في قوله :” إن من البيان لسحرا”، فقوة البيان ليست في معني ما يقوله أو مبناه بقدر ما هي في مالا يقال، وما لا يقال له سحره وجاذبيته. ولعل تفسير هذا أن هناك ساحة توحي بوجود شيء لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، وعلى رأي القاضي الجرجاني :” فإن السائل على أسرار الجمال متعنت، وأن ذلك أمر سبيل إدراكه البصيرة وقلما استطاع أن يفصح عنه اللسان” .

ويجلي من هذه المعاني أمر آحر له علاقة وطيدة بتفسير الجمال وهو أن اللغة عاجزة عن الإحاطة بكل ما يختلج في نفس الإنسان وينعكس على صفحاتها، ذلك لأن اللغة أضيق من الشعور والشعور مساحة واسعة لا تحدها حدود. يؤكد هذا الاتجاه المازني بأسلوب واضح إذ يقول:” إنك إذا رجعت إلي نفسك علمت علما لا يعتريه شك أن الألفاظ قاصرة عن العبارة عما في النفس والإحاطة بجميع ما يختلف في الصدور ويدور في الذهن من المعاني، هذا ما لا يجهله عاقل ولا يكاد يخفى على أحد، فإن الألفاظ ليست إلا كإشارات الخرس تتخيل فيها أغراض صاحبها، وإذا كان هذا كذلك، فكيف يمكن أن تكون منها صورة واضحة في الذهن، وهي على ما وصفنا من العجز والقصور” .

مجمود العقاد

ولقد ذهب إلي نفس المعني عباس محمود العقاد حين قال:” والألفاظ نوع من اختزال المعاني، تشير إلي ما يمكن وروده على اللسان، أو هي رموز يقترن كل منها بخواطر وملابسات تتيقظ في الذهن متى طرقه ذلك اللفظ، ولا يشترك فيه معه لفظ آخر وإن ترادفا في ظاهر المعني فالمترادفات لا تتشابه في المدلول تمام”.

وبناء على هذا، فإن تأثير الجمال في النفوس تمحي أمامه الحدود والمقاييس حتى أن الواحد منا لا يستطيع ان يصل إلي تحديد مناسب له أو تحديد نهائي له ذلك لأنه سر وسلطان روحي، لا يمكن معرفته إلا بالإدراك الفطري المباشر الذي يصدر أحكامه بغير لجوء إلي تحليل أو برهان.

طالع ايضا : مراحل عملية زراعة الشعر في مصر

وإذا وقفنا قليلا عند كلمة (السر) نجد من مشتقاتها السرير وهو الذي يسر إخوانه ويفرحهم، ومنها لفظ المسرة، أي أطراف الرياحين، ومنها أيضا السرور ويعني ارتياح القلب وكذا كلمة السراء ومعناها النعمة والرخاء والمسرة.

على أية حال، فقد كنا نسمع نساء الحي وأمهاتنا يقلن وهن بصدد وصف إحدي الفتيات الجميلات بأنها “مسرارة ” وهي كلمة تجمع بين المسرة التي هي الفرح والمودة، وقد ورد في التنزيل الكريم 🙁 تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) وبين السر الذي هو الكتمان والتخفي والتستر. كما جاء في القرآن الكريم أيضا : (وإذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا )  والسر ما تكتمه وتخفيه، والسر هو الأصل، والسر من كل شيء اكرمه وخالصه”  .

إذن فقولهم عن الفتاة مسرارة او مملوحة يساق للتفرقة بين الخصائص العامة للجمال وخاصية إشراقة على الوجه، هكذا يتبين لنا أن المقصود بكلمة مسرارة أن في ملامح وجه الفتاة سرا يجذبك دون أن تعرف مصدره او أن النظر في وجهها يدخل على قلبك السرور والبهجة وإن لم تكن بارعة الجمال كما قد يكون لكلمة (مسرارة) معنى آخر هو أسارير الوجه أي أنها جميلة ومتناسقة القسمات والمهم من كل هذا هو ان كلمة (مسرارة) تجمع بين عدة معان: السر، والسرور، والأسارير. وعلى هذا الأساس يتجلي لنا أنه إذا كان مصدر الجمال عند الفلاسفة والنقاد وعلماء الجمال يتمثل في المعايير المتفق عليها فهو هنا يتمثل في عملية انبساط الوجه وانفتاح أساريره وبتعبير الملاحة التي تنعكس فيها نفس الشخص ومدى سعادته وانبساطه .

ومن الشائع المتداول أن نصف جمال المرأة يكمن في ابتسامتها، وهكذا يتضح أن للجمال النفسي أي (الملاحة) اثرا واضحا على انبساط الوجه وانفتاح أسراره، وهو أمر يعكس تشكيلة الجمال الحقيقي  . أيجوز لنا القول إذا بعد كل ما سبق بأن الجمال قد ينكشف للرائي بطريقة فجائية في لحظة من لحظات صفاء النفس من جميع الشوائب والأكدار والأدران ؟ أو بتعبير آخر حين تعود النفس إلي الفطرة هي جمال الله .

ولعل هذا بعض ما كان يشير إليه كروتشه إذ يرى أن الجمال ضرب من المعرفة الفطرية التي تتخذ مادتها من المشاعر، فإذا تجافي الجمال عن الجهة النفعية، وتحرر من كل اختلاط من المعرفة احتضن أحوال النفس وصور التأثر والإحساس دون أن يقترن ذلك بتجريد أو تفريق بين الحقيقة واللاحقيقة، وينزل حينئذ منزلة التأمل الساذج الذي يشبه ما يكون في الأحلام، وهو تأمل مبرأ من النظريات المجردة ومقتضيات التفكير العقلي .

هكذا يكون للجمال أسلوبه الخاص المتميز في أن يتقدم إلي النفس ليباغتها بذاته قبل أن يباغتها بما يتخلف عنه، أو يتصل به من الأسباب الأخرى . ويستفاد من هذا القول ان الجمال قد يصل نفس المرء دون تفكير أو تقدير أو تدبير أو روية، أي أنه يحس دون ان يتجشم ما ينبغي أن يتجشمه من بحث ومنطق وإدراك وتحليل وتعليل للوصول إلي حقيقته.

ومن الواقع المعيش ان الواحد منا قد يقف مرات ومرات أمام حديقة أشجار دون ان يلفت انتباهه جمالها، وإذا به في إحدى المرات ينفعل انفعالا قد يتعذر عليه اجتلاء فحواه وكأن مصدر الانفعال هو وقوع عينيه على ما في الحديقة من جمال وبهاء لم يكن يراه من قبل. وكأن الحديقة ابتسمت له في تلك اللحظة بالذات كما قلنا عن المليحة المسرارة فيما مضى ومن الأمثلة القريبة من هذه الرؤية هو أننا نجد الغالبية العظمي من الناس تحسن اختيار ما يرتضيه ذوقها من اللباس، وما تعتقد أنه زينة لها في قرارة نفسها وفي نظر غيرها وبلغة ثانية فإن المرء قد يعرف بفطرته فضل الجمال الذي يناسبه حتى ولو لم يكن فاخرا.

ومن الملاحظ في هذا السياق أن السائح الغريب قد تقع عينه على جمال الشيء الذي لا تراه أعين أبناء البلد لأنه مألوف لهم حتى لم يعودوا قادرين على رؤية ما فيه من جمال. وعلى أية حال فإن الجمال لا يخضع للقرائن والبراهين القاطعة بصورة تامة، ولا يمكننا ان نحصره ونحدده في مجموعة من القوانين والقواعد، وإذا أردنا الإيجاز قلنا إن أحكام القيمة لا يمكن شرحها وتبريرها بصورة عقلانية تامة، ذلك لأن الأحاسيس لا تترجم إلي ملاحظات عقلية، ومن هنا فالحمال يتحقق بدون مفهوم فهو يوجد فيما وراء الجدل الفلسفي، ولهذا يستعصي على التعبير، أو قلنا بعبارة أخرى:”إن الجمال شيء يحس ولا يوصف، وبالتالي لا يمكن تحديده” 

.ويعني هذا أن الواحد منا يعرف الجمال، ولكنه لا يستطيع أن يضع له مفهوما، فلقد روي عن المؤلف الموسيقي الشهير “جون وليمس” أنه سئل عن صفات الجمال في الموسيقي، وكيف تكون الموسيقي جميلة، فقال :”يصعب تحديدها، ولكني أعرفها حين أسمعها”  .

ومن الواضح أن هذه الطروحات تقترب كثيرا مما يقال عن إدراكات الصوفية وتتشابه معها إلي حد التماثل فالصوفي يقول إنه يدرك الحقيقة ببصيرته أو بحدسه، وهي أدوات في الفطرة البشرية لا تحتاج إلي تعلم أو اكتساب، إن يدرك ما عجز عنه العقل بلمحة بارقة، والغريب أنه يدرك ما يدركه وهو في نعيم ونشوة ومسرة وهذا نتيجة الفرق بين العلم من ناحية والحياة الروحية من ناحية ثانية، فالحياة الروحية إشراق ووجدان وتطلع إلي المثل والمطلق  .

والمهم فيما نراه هو أن الإحساس بالجمال لا يمكن دائما ترجمته إلي ملاحظات عقلية، لكن المتذوق لهذا الجمال يحاول ان بكشف عما يجده في نفسه وما اعتملت به حين تلقته فجأة، وقديما قال ابن سينا :” إن النفس تنفعل انفعالا غير فكري”  .

أي أن النفس الإنسانية تذعن أو تنبسط من غير روية ولا تفكير، وإن هي حاولت شرح وتوضيح ما تجده قد لا تستطيع، وإن استطاعت فسيكون ما يجئ به الفكر مجرد امتدادات وانبثاقات من الأصل الروحي، وقد لا يفي بالغرض كاملا ولا يلم برمة الشيء.

ومهما يكن من أمر فإن الجمال في المحسوسات أسهل فهما من الجمال في الفن والأدب وأقرب منالا إلي إدراكنا، فإذا أخذنا الشعر مثلا، ففيما يخص الحكم بجودته او رداءته نجد النقاد الذين أتوا ذوقا صقلة التهذيب وإدمان الرياضة، ووهبوا دقة في الفطنة وصفاء في القريحة يصدرون أحكاما تقييمية وبلغة أخرى أهل الصناعة والخبرة يقدرون على إصدار أحكامهم الجمالية على الشعر، ولكن هؤلاء النقاد قد تمكنهم الحجج من إبراز صور الجمال أو القبح أحيانا، وأحيانا أخرى يحسون بالأمر في قلوبهم، ولكنهم لا يستطيعون الإفصاح عنه بألسنتهم، وذلك مع الذوق المدرب وشدة الفطنة وصفاء القريحة وقوتها، وذلك لأن ” وجوه الحسن في الشعر متنوعة، ومظاهر القبح فيه متنوعة، والأذواق تتفاوت في ذلك تفاوتا بعيدا، وما الطريقة العلمية الخالصة. بمستطيعة أن تدرك الجمال الفني على وجهه، ,إنما مدار ذلك على الطبع الذي عند الناقد ”  .

وهذا معناه أن الجمال لا نحس به إلا في وجود الطبع وبتعبير آخر فإن المعول عليه في إدراك جمال التعبير الشعري هو الذوق والإحساس الروحاني، ولعل هذا ما جعل ابن سلام الجمحي يقرر منذ البداية أن “جمال القول ما لا تصل إليه العلل ولا يأتي عليه البيان، وأن الناقد قد يرد شعرا ثم يعجز عن أن يبين كيف يرده وما الضعف فيه”.

يؤكد الآمدي هذا المعني بقوله: ” ألا ترى أنه قد يكون فرسان سليمان من كل عيب، موجود فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بطرق لا يعلمه إلا أهل الخبرة والدربة الدربة الطويلة، وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال المتقاربتان في الوصف السليمتين من كل عيب، قد يفرق بينهما العالم بأمر الرقيق حتى يجعل الثمن بينهما فضلا كبيرا، فإذا قيل له وللنخاس : من أين فضلت أنت هذه الجارية على أختها ؟ لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما. فكذلك الشعر قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل بصناعة الشعر أيهما أجود، وإن كان معناهما واحدا، أو أيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفا”   .

ويذهب القاضي الجرجاني إلي نفس الاتجاه حيث يقول: ” وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام كل طريق، ثم تجد أخرى دون في انتظام المحاسن والتئام الخلقة، وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظي بالحلاوة، وأدني إلي القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم وإن قايست ونظرت وفكرت لهذه المزايا سببا” .

وفي موضع آخر يقرر القاضي الجرجاني ان الشعر لا يحبب إلي النفوس بالنظر والمحاجة، ولا يحلى في الصدور بالمجادلة والمقايسة، وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة، ويقربها منها الرونق والحلاوة، وقد يكون الشيء متقنا محكما، ولا يكون مقبولا، ويكون جيدا وثيقا، وإن لم  يكن لطيفا رشيقا  .

هكذا يتجلى بوضوح أنه على الرغم من الخبرة والممارسة والتجربة يبقي شيء من الجمال لا تتم معرفته إلا بالطبع، والطبع مزية ذاتية خاصة فيمكن أن نعبر عنه بالغريزة الفطرية  .

إذن، هناك غريزة وجبلة في الإنسان يولد عليها وهي ما يسمي الطبع الذي يكتسب مفهوم المزاج وهو صفة ذاتية متفاعلة مع البيئة، ومن شأن هذا الطبع أن يمكن الإنسان من تجاوز المعايير والمقاييس إلي خفايا الجمال وأسراره كما يمكنه من اكتشاف ما هو مكنون فيعرفه وإن كان لا يستطيع وصفه. وهذا ما لا يدع مجالا للشك بأن موضوع الجمال من أدق المواضيع وأصعبها، وأكثرها استعصاء على البحث والتعليل، ولعل هذا ما أحسه الشاعر القديم “ابن الرومي” في وصف وحيد المغنية حين قال

والذي نراه هو أن هذا يعود من جهة إلي أوجه التقارب أكثر من أوجه الاختلاف، وبتعبير آخر أن هناك تقاربا تخفي فيه أوجه الاختلاف وتدق بحيث لا يمكن مقايستها فذلك هو ما عبرنا عنه بسر من الجمال الذي يدركه الخبير بأسرار الجمال ولا يستطيع أن يوفيه حقه من الوصف، فالآمدي يقول على لسان إسحاق الموصلي :”سألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال : اختر أحدهما، فاخترت، فقال : من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان، فقلت : لو تفاوتا لأمكنني التبيين ولكنهما تقاربا، وفضل هذا بشيء تشهد له الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان”   .

وهذا ما سجله ابن سلام الجمحي وهو يحدثنا عن جمال المرأة وكيف يقف المرء عاجزا عن تحديده وإن سحره وأدهشه فيقول : “فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهود، طريفة اللسان، ورادة الشعر، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار او بمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار، ولا يجد واصفها مزيدا على هذه الصفة ”  .

طالع ايضا : سندويشات شاورما سهلة التحضير

ومن هنا يتبين جيدا أن الناقد قد يعرف الشعر الجيد، غير أنه لا يقدر على وصفه وبلغة أبي هلال العسكري إنه يستطيع أن يميز بين الرديء والجيد، ولكنه لا يستطيع أن يقول عن هذا الرونق ما هو . ويبقي إذن القول بأن جمال الشعر متنوع بحيث لا يستطيع المرء الإلمام به سواء إبداعا أو دراسة، فقد يكون جماله في تنكير اسم أو نظم جملة، أو كبت إحساس، أو خلق صورة، أو تأليف بين العناصر الموسيقية للغة  .

كما قد يكون في انتظام ألفاظ على نظام المعاني الذي اقتضاه حكم العقل ومنطقه، وهذا الذي يذهب إليه عبد القاهر الجرجاني.وقد يقاس جماله بالدقة والقدرة على التصوير والإيحاء والبعث أمام الخيال، ومن سمات جمال الشعر أيضا : التناسق العام الذي لا يكون الشيء جميلا بدونه، وهذا يعني انعدام التنافر بين أجزاء المضمون من جهة وبين أجزاء الشكل من جهة ثانية، أي  الانسجام بين المعاني والألفاظ، إضافة إلي ما تخلفه الأساليب في النفس من متعة وأثر، كل هذا يحقق جمال الشعر وغيره مما لم أسجله هنا لكن يبقي شيء آخر يشعر به الوجدان وإن لم يستطع البيان التعبير عنه.

على أية حال فإن التعبير الشعري الجميل الصادق يبعث في النفس اللذة والسرور ويظهرها على أسرار الحياة ووجهها العميق، ذلك لأن الجمال لا يسطع للعين فقط ولا للفكر فحسب، وإنما هناك جانب غامض منه لا نصل إليه إلا بعد الخبرة ويمكننا من أسراره الفطرية المستقرة في ضمير الإنسان.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلي أن صعوبة تحديد الجمال وتعليله جعلت معارضي القرآن الكريم يقرون بالعجز عن تبيان عذوبته وسحر بيانه – مع المعلم أن مدار الأمر في موضوع القرآن هو الإعجاز ومفهوم الإعجاز أوسع بكثير من مفهوم الجمال – ومع ذلك، ” قالوا وقد يخفى سببه عن البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى ليلتبس على ذوي العلم والمعرفة به، وقالوا : وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا يوجد مثلها لغيره منه، والكلام معا فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة ”  . وبناء على هذا فإن مجمل القول في الجمال يشبه قول السكاكي في إعجاز القرآن الكريم بأنه : ” عجيب يدرك ولا يمكن وصفه ”  . ومما ذكر آنفا يمكن أن نقول إن السائل عن أسرار الجمال متعنت، وأن ذلك أمر سبيل إدراكه البصيرة، وقلما استطاع أن يفصح عنه اللسان .

وملخص القول هو أن اعتماد الدراسات المحددة لإدراك الجمال في إطارات عقلية أو ذهنية، واتخاذها معايير أو مقاييس نقيس بها الجمال أمر أضاء كثيرا من مفهوم الجمال، غير أنه بقي بعد الدراسة والخبرة شيء لم نتمكن من الوصول إليه وإن أدركناه لم نستطع وصفه ، ذلك لأن إدراك الجمالي وأسراره يرتد في النهاية إلي أمور روحانية لا سبيل إلي التعبير الدقيق عنها، وإلي الكشف عن أسرارها وبعبارة أخرى فإن معرفة الجمال تبقى غامضة بعيدة عن كل استنباط أو تحليل ذلك لأنه أعز وأمنع من أن تدرك أسراره.

alialiwahab

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *